عثمان بن جني ( ابن جني )

41

الخصائص

ومعلوم أننا لا نقصد هنا تلك المحاكاة الساذجة المباشرة كتلك الأصوات المعبرة عن الطقطقة والفرقعة ؛ وإنما نقصد أوجه الشبه والمناسبة الدقيقة بين البناء الصوتي للكلمة ومعناها السياقي الذي وظفت لأجله تلك السمات الصوتية . وسوف نعرض هنا لأهم تلك الدراسات التي تعرضت لهذا الجانب مع تتميم تلك المحاولات بما ينقصها في نظر بحثنا هذا من التعليل والتفسير لكيفية دلالة الأصوات على المعاني التي استشعرها هؤلاء الدارسون . فمن هذه الدراسات : دراسة د / محمد النويهى عن الشعر الجاهلي ، فقد عرض فيها لجملة من الألفاظ التي حكم عليها النقاد بالصعوبة وعدم الفصاحة ثم برر فنية تلك الألفاظ بما اشتملت عليه من صعوبة من خلال تأمله لما اشتملت عليه هذه الألفاظ من محاكاة للمعاني وقد كانت تلك التحليلات مصحوبة برده على تلك الشروط الجامدة التي اشترطها البلاغيون لفصاحة الكلمة : يقول د / النويهى : " أما البلاغيون والنقاد فلم يكد يزيد التفاتهم في هذا المجال على قولهم : إن مخارج الحروف ينبغي أن تكون فصيحة ، وجعلوا أحد شروط الفصاحة عدم تنافر الحروف ، وعلى إعجابهم بالأبيات التي رأوا تحقق الفصاحة بها معبرين عن هذا الإعجاب بعبارات عامة مائعة تخلو من التحليل الدقيق ، وذمهم للأبيات التي رأوا خلوها من الفصاحة ، وحتى في مقياسهم الذي وضعوه للفصاحة وهي عدم تنافر الحروف قد خانهم التوفيق ، لأنهم لم ينتبهوا إلى أن المعنى والعاطفة قد يقتضيان هذا التنافر ويجعلانه أمرا لازما ، انظر مثلا إلى بيت امرئ القيس يصف شعر محبوبته ، وهم يستشهدون به على قبح التنافر : غدائره مستشزرات إلى العلا * تضل العقاص في مثنى ومرسل لا شك أن في قوله : " مستشزرات " تنافرا بين الحروف يجعل الكلمة ثقيلة النطق لكن قليلا من التفكير يهدينا إلى أن هذا التنافر لازم فنيا مؤكدا أنه ينطبق على الصورة التي يريد الشاعر أن يرسمها لهذه الخصلات الكثيرة الكثيفة الثقيلة التي تتزاحم على رأس محبوبته وترتفع إلى أعلى ويغيب بعض الشعر الكثيف تحتها من مفتول ظل على انتظامه ، وغير مفتول انطلق هنا وهناك ، صورة غنية رائعة حاشدة مزدحمة ، إذا أجدنا